محمد بن الطيب الباقلاني

289

الإنتصار للقرآن

ذلك واستدراك عجز وتفريط وترك حرم كان منهم : فهو من الغباء والجهل بحيث لا ينتفع بكلامه . ثم نقول : ليس لأحد أن يقول : لم لم يؤلّفوا سور القرآن على تاريخ نزوله ليكونوا بذلك متوافقين في التقديم والتأخير أوقات نزوله ؟ وليس هو بقوله هذا بأولى ممّن قال : بل الواجب هو ما فعلوه من تصنيف السور وضمّ كلّ شيء إلى مثلها وشكلها ، لا سيّما إذا علموا أنّ اللّه سبحانه ورسوله عليه السلام قدّم في السورة الواحدة إثبات المنسوخ على الناسخ ، وأنّه كان منزل منه / المدنيّ فيؤمروا بإثباته في السور المكية ، وأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه لم يراع في إثبات آيات السّور وتاريخ نزولها ، فكذلك لا يجب عليهم هم أن يراعوا في تأليف تاريخ نزولها ، ولجاز أيضا لأحد أن يقول : ما الحقّ إلا فيما فعلوا من تقديم طوال السور على القصار ، لأنّها أعظم قدرا في النفوس وأخرق للعادة ، وأعظم في الإعجاز ، وأجمع للفوائد ، وأكثر اشتمالا على المواعظ والأقاصيص وضرب الأمثال وتفصيل الحلال والحرام ، وكان ذلك من فعلهم أولى . وقد يسوغ أيضا لآخر أن يقول : بل كان الواجب عليهم تقديم قصار السّور لكونها أقرب مأخذا وأسهل وأخفّ على المتعلّم من التشاغل بطوالها ، وكلّ هذا تخليط وتعنّت للصحابة ، ومحاولة للقدح في آرائهم بما يعود بالدلالة على غباوة المتعرض وجهله ، والذي يدلّ على أنّه لا يجوز لهم تأليف سور القرآن على تاريخ نزوله أنّهم لو فعلوا ذلك لوجب أن يجعلوا بعض آيات السور في سورة أخرى ، وأن ينقضوا ما وقفوا عليه من سياق ترتيب آيات السور ونظامها ، لأنّه قد صحّ وثبت أنّ الآيات كانت تنزل بالمدينة فيؤمروا بإثباتها في السور المكية .